محمد بن جرير الطبري
273
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
نصف قد ولدت بطنا بعد بطن بين الهرم والشباب . فيجمع ذلك معنى الهرم والشباب لما وصفنا ، ولو كان مكان الفارض والبكر اسما شخصين لم يجمع مع بين ذلك ، وذلك أن " ذلك " لا يؤدي عن اسم شخصين ، وغير جائز لمن قال : كنت بين زيد وعمرو ، أن يقولا : كنت بين ذلك ، وإنما يكون ذلك مع أسماء الأَفعال دون أسماء الأَشخاص . القول في تأويل قوله تعالى . فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ . يقول الله لهم جل ثناؤه : افعلوا ما آمركم به تدركوا حاجاتكم وطلباتكم عندي ، واذبحوا البقرة التي أمرتكم بذبحها ، تصلوا بانتهائكم إلى طاعتي بذبحها إلى العلم بقاتل قتيلكم . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها ومعنى ذلك قال قوم موسى لموسى : قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها أي لون البقرة التي أمرتنا بذبحها . وهذا أيضا تعنت آخر منهم بعد الأَول ، وتكلف طلب ما قد كانوا كفوه في المرة الثانية والمسألة الآخرة ؛ وذلك أنهم لم يكونوا حصروا في المرة الثانية ، إذ قيل لهم بعد مسألتهم عن حلية البقرة التي كانوا أمروا بذبحها فأبوا إلا تكلف ما قد كفوه من المسألة عن صفتها فحصروا على نوع دون سائر الأَنواع عقوبة من الله لهم على مسألتهم التي سألوها نبيهم تعنتا منهم له ، ثم لم يحصرهم على لون منها دون لون ، فأبو إلا تكلف ما كانوا عن تكلفه أغنياء ، فقالوا تعنتا منهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن عباس : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها فقيل لهم عقوبة لهم : إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ فحصروا على لون منها دون لون ، ومعنى ذلك أن البقرة التي أمرتكم بذبحها صفراء فاقع لونها . قال : ومعنى قوله : يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها أي شيء لونها ، فلذلك كان اللون مرفوعا ، لأَنه مرفوع " ما " وإنما لم ينصب " ما " بقوله " يبين لنا " ، لأَن أصل " أي " و " ما " جمع متفرق الاستفهام . كقول القائل : بين لنا أسوداء هذه البقرة أم صفراء ؟ فلما لم يكن كقوله " بين لنا " ارتفع على الاستفهام منصرفا عما لم يكن له ارتفع على أي لأَنه جمع ذلك المتفرق ، وكذلك كل ما كان من نظائره ، فالعمل فيه واحد في " ما " و " أي " . واختلف أهل التأويل في معنى قوله : صَفْراءُ فقال بعضهم : معنى ذلك سوداء شديدة السواد . ذكر من قال ذلك منهم : حدثني أبو مسعود إسماعيل بن مسعود الجحدري ، قال : ثنا نوح بن قيس ، عن محمد بن سيف ، عن الحسن : صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها قال : سوداء شديدة السواد . حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائده ، والمثنى بن إبراهيم قالا : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال ، ثنا نوح بن قيس ، عن محمد بن سيف ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، مثله . وقال آخرون : معنى ذلك : صفراء القرن والظلف . ذكر من قال ذلك : حدثني هشام بن يونس النهشلي ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن أشعث ، عن الحسن في قوله : صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها قال : صفراء القرن والظلف . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثني هشيم ، قال : أخبرنا جويبر ، عن كثير بن زياد ، عن الحسن في قوله : صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها قال : كانت وحشية . حدثني يعقوب ، قال : ثنا مروان بن معاوية ، عن إبراهيم ، عن أبي حفص ، عن مغراء ، أو عن رجل ، عن سعيد بن جبير :